الصين تعيد رسم خريطة سوق النفط.. هل تصبح الرابح الأكبر من أزمة إيران؟

الصين تعيد رسم خريطة سوق النفط.. هل تصبح الرابح الأكبر من أزمة إيران؟كشفت الاضطرابات الأخيرة في سوق النفط العالمي عن تحول واضح في موازين التأثير، فبعد عقود كانت فيها السعودية و«أوبك» ثم الولايات المتحدة في قلب تحديد اتجاهات السوق، برزت الصين خلال أزمة 2026 باعتبارها أحد أهم الأطراف القادرة على التأثير في الأسعار، ولكن هذه …

الصين تعيد رسم خريطة سوق النفط.. هل تصبح الرابح الأكبر من أزمة إيران؟

كشفت الاضطرابات الأخيرة في سوق النفط العالمي عن تحول واضح في موازين التأثير، فبعد عقود كانت فيها السعودية و«أوبك» ثم الولايات المتحدة في قلب تحديد اتجاهات السوق، برزت الصين خلال أزمة 2026 باعتبارها أحد أهم الأطراف القادرة على التأثير في الأسعار، ولكن هذه المرة من بوابة الطلب وليس المعروض.
فمنذ اندلاع الحرب المرتبطة بإيران في نهاية فبراير، تراجعت قدرة «أوبك+» على التحكم في السوق بسبب اضطرابات الإنتاج ومسارات التصدير عبر الشرق الأوسط، بينما ساهم الانخفاض الكبير في الطلب الصيني على الخام في تخفيف حدة أزمة الإمدادات وكبح صعود الأسعار.
وهذا التحول يضع بكين اليوم في موقع حساس مع تشديد الولايات المتحدة عقوباتها على إيران، خصوصًا أن الصين كانت تستحوذ قبل الحرب على أكثر من 80% من صادرات النفط الإيرانية المشحونة.

الصين تعيد رسم خريطة سوق النفط.. هل تصبح الرابح الأكبر من أزمة إيران؟

العقوبات الأمريكية على إيران تدخل مرحلة أكثر تشددًا

رفعت واشنطن مستوى الضغط الاقتصادي على طهران بصورة كبيرة خلال أغسطس.
وكان وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت قد مهد في 20 أغسطس لحزمة وصفها بأنها من أشد العقوبات المفروضة على إيران، قبل أن تطلق وزارة الخزانة رسميًا في 24 أغسطس عملية «المنبوذ الاقتصادي»، التي تستهدف قطع الروابط المالية والتجارية بين إيران وشركائها حول العالم.
وتعتمد الخطة الأمريكية بدرجة كبيرة على العقوبات الثانوية، أي تهديد المؤسسات والشركات الأجنبية التي تستمر في التعامل مع إيران بعقوبات قد تصل إلى تقييد وصولها إلى النظام المالي الأمريكي والدولار.
وشملت الإجراءات عشرات الأفراد والشركات والسفن والشبكات المالية واللوجستية المرتبطة بطهران، مع تركيز واضح على الوسطاء الموجودين في الصين وهونغ كونغ والإمارات ودول آسيوية أخرى.
وتعتزم وزارة الخزانة مواصلة فرض عقوبات ثانوية بصورة متكررة، مع تركيز متزايد على البنوك والمؤسسات التي يُشتبه في تسهيلها النشاط المالي الإيراني.

الصين أكبر تحدٍ أمام استراتيجية العقوبات

رغم قوة النظام المالي الأمريكي، تبقى الصين التحدي الأكبر أمام قدرة واشنطن على عزل إيران اقتصاديًا بصورة كاملة.
فالعلاقة النفطية بين بكين وطهران ليست جديدة، وقد اعتمدت الصين تاريخيًا على المصافي المستقلة وشبكات مالية أقل ارتباطًا بالنظام الغربي للحصول على الخام الإيراني، خصوصًا عندما كانت العقوبات تحد من قدرة المشترين التقليديين على التعامل مع طهران.
وخلال فترة السماح المؤقتة التي منحتها واشنطن لبعض صادرات النفط الإيراني هذا العام، ظلت المصافي الصينية المستقلة المرشح الأبرز لشراء الخام، بينما أبدت مصافٍ آسيوية أخرى تحفظًا أكبر تجاه استئناف التعامل مع إيران.
وهذا يجعل موقف الصين عاملًا رئيسيًا في تحديد مدى نجاح المرحلة الجديدة من العقوبات الأمريكية.

الصين تعيد رسم خريطة سوق النفط.. هل تصبح الرابح الأكبر من أزمة إيران؟

بكين تتحول إلى قوة مؤثرة في أسعار النفط عبر الطلب

التحول الأبرز في سوق النفط خلال الأزمة الحالية جاء من طريقة تأثير الصين على الأسعار.
فبدلًا من التحكم في المعروض، كما فعلت «أوبك» تاريخيًا، خفضت الصين حجم مشترياتها بصورة كبيرة.
وانخفضت واردات الخام الصينية من متوسط تاريخي يقارب 12 مليون برميل يوميًا إلى نحو 7 ملايين برميل يوميًا خلال يونيو، وسط ضعف استهلاك المصافي والقيود على صادرات الوقود وزيادة استخدام المركبات الكهربائية.
وتشير تقديرات أخرى إلى أن الصين اشترت منذ بداية الحرب كميات أقل بنحو 400 مليون برميل مقارنة بالفترة المقابلة من العام السابق.
وكان لهذا التراجع أثر مهم في منع أزمة نقص الإمدادات من دفع أسعار النفط إلى مستويات أعلى بكثير.
كما أظهرت بيانات يوليو انخفاض الواردات الصينية بصورة حادة على أساس سنوي، في وقت تتوقع فيه الأسواق استمرار ضعف الطلب العالمي على النفط خلال 2026.

الصين تصبح «مركز الطلب المرجح» الجديد

تاريخيًا، كانت السعودية و«أوبك+» تلعبان دور المنتج المرجح، إذ تستطيعان زيادة الإنتاج أو خفضه للتأثير في توازن السوق والأسعار.
لكن الأزمة الحالية أبرزت نموذجًا مختلفًا.
فحجم الاقتصاد الصيني ومكانته كأكبر مستورد للنفط عالميًا يسمحان لبكين بالتأثير في السوق من خلال تغيير مستوى الطلب نفسه.
ولهذا بدأ بعض المحللين ينظرون إلى الصين باعتبارها مركزًا مرجحًا للطلب العالمي على النفط؛ فزيادة مشترياتها بصورة قوية قد تشدد السوق وترفع الأسعار، بينما يؤدي تقليصها للواردات إلى امتصاص جزء من صدمات نقص المعروض.

الصين تعيد رسم خريطة سوق النفط.. هل تصبح الرابح الأكبر من أزمة إيران؟

العناصر الأرضية النادرة تمنح الصين ورقة إضافية

لا تقتصر أوراق الصين في مواجهة واشنطن على سوق النفط.
فبكين تسيطر على أكثر من 90% من عمليات تكرير العناصر الأرضية النادرة عالميًا، وتصل حصتها في معالجة بعض العناصر الأرضية النادرة الثقيلة إلى نحو 98%.
وتدخل هذه المعادن في صناعات استراتيجية تشمل الدفاع والإلكترونيات والسيارات الكهربائية والطاقة المتجددة، ما يمنح الصين أداة ضغط مهمة في أي مواجهة اقتصادية أوسع مع الولايات المتحدة.
وقد استخدمت بكين بالفعل القيود على صادرات بعض المعادن والمواد الاستراتيجية كجزء من نزاعاتها التجارية خلال السنوات الأخيرة، ما دفع الولايات المتحدة وحلفاءها إلى تسريع الاستثمارات في سلاسل توريد بديلة.

النفط الإيراني يضع واشنطن وبكين أمام اختبار جديد

تبقى تجارة النفط الإيراني واحدة من أبرز نقاط الخلاف المحتملة بين البلدين.
واشنطن تريد قطع الإيرادات النفطية عن طهران والضغط على الدول والمؤسسات التي تستمر في التعامل معها، بينما تتمسك الصين برفض العقوبات الأحادية التي تفرضها الولايات المتحدة على شركائها التجاريين.
وتزداد أهمية هذا الخلاف لأن أي تراجع كبير في المشتريات الصينية من إيران قد يزيد الضغط الاقتصادي على طهران بصورة قوية.
وفي المقابل، فإن عودة الصين لشراء كميات ضخمة من النفط العالمي قد تدفع الأسعار نحو الأعلى في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة بالفعل تحديات مرتبطة بارتفاع تكاليف الطاقة والتضخم.

هل تغير الصين قواعد اللعبة في سوق النفط؟

تكشف أزمة 2026 أن موازين القوة داخل سوق النفط العالمي لم تعد تعتمد فقط على من يملك أكبر قدرة إنتاجية.
فقد أظهرت الصين أن حجم الطلب يمكن أن يصبح أداة مؤثرة بالقدر نفسه تقريبًا، خصوصًا عندما يأتي التغيير من أكبر مستورد للخام في العالم.
وفي الوقت الذي تراجعت فيه حصة «أوبك+» من السوق تحت ضغط اضطرابات الحرب، أصبحت قرارات الصين المتعلقة بالاستيراد والمخزونات والتكرير أكثر أهمية في تحديد اتجاه الأسعار.
ويضع ذلك بكين في موقف تفاوضي قوي أمام واشنطن؛ فهي أكبر مشترٍ تاريخي للنفط الإيراني، ولاعب رئيسي في الطلب العالمي على الطاقة، وفي الوقت نفسه تملك نفوذًا كبيرًا في سلاسل توريد المعادن الاستراتيجية.

الصين تعيد رسم خريطة سوق النفط.. هل تصبح الرابح الأكبر من أزمة إيران؟

mtczc

mtczc

Related Posts

ترامب يعد الأمريكيين بـ5 آلاف دولار إذا فاز الجمهوريون في انتخابات التجديد النصفي

ترامب يعد الأمريكيين بـ5 آلاف دولار إذا فاز الجمهوريون في انتخابات التجديد النصفي

ترامب يعد الأمريكيين بـ5 آلاف دولار إذا فاز الجمهوريون في انتخابات التجديد النصفيأعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن مقترح لتقديم دفعة نقدية بقيمة 5,000 دولار لكل مواطن أمريكي بالغ، مشترطًا احتفاظ الحزب الجمهوري بالسيطرة على مجلسي النواب والشيوخ في انتخابات التجديد النصفي الأمريكية المرتقبة في نوفمبر.وجاء إعلان ترامب خلال كلمة ألقاها في مؤتمر للحزب الجمهوري …

اليورو يرتفع لأعلى مستوى في أسبوعين والدولار يهبط وسط ترقب التضخم

اليورو يرتفع لأعلى مستوى في أسبوعين والدولار يهبط وسط ترقب التضخم

اليورو يرتفع لأعلى مستوى في أسبوعين والدولار يهبط وسط ترقب التضخمواصل اليورو ارتفاعه أمام الدولار الأمريكي خلال تعاملات الأربعاء، مسجلًا أعلى مستوى له في نحو أسبوعين، في ظل استمرار ضعف العملة الأمريكية وترقب الأسواق لبيانات التضخم الأمريكية المرتقبة خلال الأيام المقبلة.وارتفع زوج EUR/USD بنسبة 0.2% إلى 1.1646 دولار، بعدما افتتح الجلسة عند 1.1624 دولار وسجل …

الأسواق الأمريكية تعود بعد عطلة عيد العمال.. النفط والفائدة يرفعان تقلبات وول ستريت

الأسواق الأمريكية تعود بعد عطلة عيد العمال.. النفط والفائدة يرفعان تقلبات وول ستريت

الأسواق الأمريكية تعود بعد عطلة عيد العمال.. النفط والفائدة يرفعان تقلبات وول ستريتتعود الأسواق الأمريكية إلى التداول اليوم الثلاثاء بعد عطلة عيد العمال، وسط ترقب لجلسة قد تشهد تحركات قوية مع عودة المستثمرين إلى وول ستريت بعد عطلة نهاية أسبوع طويلة.وتواجه الأسواق مزيجًا من العوامل المؤثرة، في مقدمتها قوة بيانات سوق العمل الأمريكي، وارتفاع توقعات …

Leave A Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *